كيف نلبي نداء القدس؟

كيف نلبي نداء القدس؟

كيف نلبي نداء القدس؟

 

أعلنت السلطات في غزة، فجر اليوم الخميس، عن ارتفاع عدد ضحايا الضربات الإسرائيلية إلى 67 قتيلاً، بينهم 17 طفلاً، و 388 مصاباً، بينهم 115 طفلاً، و50 امرأة.

من جانبها أطلقت الفصائل الفلسطينية أكثر من 300 صاروخ جديد على إسرائيل، وسط مناشدات دولية بضبط النفس، حيث اتصل الرئيس الأمريكي، جو بايدن، برئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، وأعرب عن أمله في وقف مبكر لتصعيد الوضع في الشرق الأوسط. كذلك شدد وزير الخارجية المصري، سامح شكري، خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإسرائيلي، غابي أشكنازي، على ضرورة وقف الهجمات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية.

وكان الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، قد أعلن يوم أمس عن أن الفلسطينيين سيواصلون اتخاذ جميع الإجراءات لحماية أنفسهم، مشيراً إلى أن ما تفعله السلطات الإسرائيلية هو تطهير عرقي في القدس ضد وجود الفلسطينيين.

بطبيعة الحال، وهو أمر جد مفهوم، تتعالى أصوات حماسية تنادي بالاستمرار في المقاومة والتصعيد والمزيد من إطلاق الصواريخ وعدم التراجع أو التجاوب مع الجهود التي يبذلها أصدقاء الشعب الفلسطيني لوقف هذه المعركة التي يظن البعض أنها "معركة التحرير".

لكن، وعلى الرغم من ذلك، لابد وأن يراعي الجميع أن الشعب الفلسطيني شعب يستحق الحياة، بعد كل ما قدمه ولا زال يقدمه من تضحيات جسام. الشعب الفلسطيني، شأنه في ذلك شأن كل شعوب الأرض، لا يريد أكثر من حقوقه المشروعة في الاستقرار والأمن ووحدة الأرض والسيادة وحرية التنقل والعبادة والتعليم والصحة وحقه في بنى تحتية مستدامة يستطيع من خلالها أن يؤمن حياته ومستقبل أجياله على أرضه.

ما يحدث أمام أعيننا، ونصفق له، هو حرب غير متكافئة بالمرة، لن يكون نتيجتها سوى هدم للبنى التحتية المهترئة أساساً، واستمرار، بل تصاعد الأزمات والمعاناة التي يمر بها ملايين الأهالي في غزة والضفة، وتلك الحقيقة ليست، بأي حال من الأحوال، استهانة بمشاعر تقديم العطاء والمزيد من التضحيات والشهداء، ولكن علينا أن نراجع أنفسنا، ونفكّر في الأمهات الثكالى، والأطفال الأبرياء، ممن لا ذنب لهم سوى أنهم نشأوا على تلك الأرض، بتلك الهوية.

إننا نعيش اليوم في عالم جديد، ليست القوة وحدها هي عامل الحسم. بالتأكيد، هناك ما لا يمكن إثباته سوى بالقوة والثبات على المبادئ، والتضحية بالغالي والنفيس، وإعلاء الشأن العام على الخاص، لكن علينا في نفس الوقت تجنب المزايدات الوطنية، والعودة بأسرع وقت ممكن إلى معطيات الواقع الذي نعيشه.

لقد تلقّت الحكومة الإسرائيلية، ومعها عرابو "صفقة القرن"، درساً لم يكونوا يتخيلوه، في لحظة لم يتوقعوها. لقد رأوا رد فعل الشعب الفلسطيني في الداخل الإسرائيلي، إلى جانب التضامن العربي الشعبي الكبير، وكذلك الصدى الدولي الواسع للأحداث الدموية على أرضنا المقدسة. لكن الوقت قد حان، قبل فوات الأوان، كي نجند كل تلك النتائج كورقة ضغط، ونترك الساحات للمعارك الدبلوماسية والسياسية. نحن نعلم اليوم أن للأقصى شعوب منتشرة في شتى بقاع الأرض مستعدة لحمايته، والذود عن قيمته ورمزه، لكن علينا بالتوازي أن نعاود النضال على كافة الصعد والمستويات. فشعبنا الفلسطيني العظيم يجب أن يعيش وينعم بالحياة، ولا يصح الزج به، لمجرد صيحات هنا وهناك، تجلس على المقاعد الوثيرة، وتحرّك أبنائنا وفلذات أكبادنا، كي يضحوا بحياتهم، لمكاسب سياسية أو شخصية زائلة. لا يجب علينا أن نسمح بأن يتعرض شعبنا للمزيد من الكوارث ومصاعب الحياة.

إن اتساع جبهة المواجهة مع إسرائيل يعني أمراً واحداً لابد أن نعيه جميعاً كفلسطينيين. وهو أن القضية ليست غزة أو الضفة. وإنما القضية هي النضال. ولأكون أكثر وضوحاً، فالقضية هي النضال لا الجهاد، والقضية هي النضال بمعناه الواسع الشامل، لا بمعناه العسكري الضيق. ومهما كان عدد الصواريخ التي تنطلق من غزة، ونحن نشد على يد إخواننا في الخندق من حماس، وغيرها من الفصائل، إلا أنها قد تغيّر جزءاً من المعادلة، لا المعادلة كلها. فإسرائيل قادرة، عسكرياً، على محو غزة كلها من على وجه الأرض، لكنها لن تستطيع محو القاهرة، أو بغداد، أو دمشق، أو طهران، إسرائيل لن تستطيع محو القضية الفلسطينية، قضية العرب والمسلمين. فكلما زادت الشراسة الإسرائيلية، كلما ارتفعت حدة الغضب الشعبي العارم الذي طال المنطقة العربية بأسرها، ولم تنفع معه حيل كوشنر، ولا اتفاقات ترامب. ومهما كانت سيطرة النخب الحاكمة على شعوبها، فإن ذلك هو الآخر أمر شديد الإزعاج، ومزعزع للاستقرار في جميع أنحاء الوطن العربي.

القضية، مرة أخرى، لم تعد غزة أو الضفة، بل هي قضية العرب الأولى، القضية الفلسطينية. القضية هي قضية أصدقاء الشعب الفلسطيني من أحرار العالم، الذين يؤمنون بحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، والمعترف بها دولياً في جميع المحافل وعلى رأسها هيئة الأمم المتحدة. ما يضعف هذه القضية حقاً هو ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل بين النضال والجهاد، والذي يصر البعض على وضعه أولوية فوق قضيتنا الأم. ما يضعف القضية هو انقسام الشعب الفلسطيني، وغياب دور منظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً معترف به أمام العالم للشعب الفلسطيني.

لذلك فما ينبغي القيام به فوراً ودون أي تلكؤ هو استعادة دور منظمة التحرير الفلسطينية، وأنا على يقين أن المجتمع الدولي سيخلق ظروفاً جديدة، يمكن من خلالها ومن خلال الجهود الدولية إجبار إسرائيل على تنفيذ قرارات هيئة الأمم المتحدة، ووقف جميع محاولات العربدة الإسرائيلية الفجة، والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، والنيل من حقوق الشعب الفلسطيني.

إن المد العربي داخل إسرائيل هو ظهير جديد لم نعهده من قبل، كذلك فإن انقساماً إسرائيلياً داخلياً بات واضحاً للعيان، وظهرت موجات غضب ضد المتدينين المتعصبين والمستوطنين الجدد، الذين يجرّون إسرائيل إلى مصير مجهول ومستقبل غامض. علاوة على ذلك، نرى تضامناً وإصراراً عربياً على توحيد الجهود العربية لم يسبق له مثيل على هذا النطاق، ولن تلبث هذه العوامل متحدة أن تغير من موازين اللعبة السياسية، فلا أحد يريد إشعال برميل البارود في المنطقة والعالم، وقد رأى الجميع بأم عينهم ما يحدث في الدول التي تطالها نار الحروب والصراعات والأزمات.

إن هناك اتصالات مكثّفة تجري الآن بين ممثلي الرباعية الدولية (روسيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وهيئة الأمم المتحدة) بهدف التوصل إلى مبادرة مشتركة لوقف الحرب، وهناك تفهم واضح لأن المبادرة لابد وأن تبنى على أسس مقنعة للشعب الفلسطيني، تضمن بالدرجة الأولى الحفاظ على حقوقه الوطنية المثبتة في قرارات الأمم المتحدة وكافة مؤسساتها الإنسانية لفك الحصار وإنهاء النظام الأمني الذي تفرضه إسرائيل على الشعب الفلسطيني في كافة الأراضي الفلسطينية التي تشمل حدود عام 1967، بما في ذلك القدس الشرقية، والبدء برفع ذلك كله بإشراف دولي، حتى يتم التوصل إلى الحل النهائي وإعلان الدولة الفلسطينية المستقلة.

في هذا السياق، صرح وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، في مؤتمر صحفي مشترك مع الأمين العام لهيئة الأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بأنه من الضروري عقد اجتماع للجنة الرباعية للوسطاء الدوليين بشأن التسوية في الشرق الأوسط على مستوى وزراء الخارجية في أسرع وقت ممكن.

وأشار لافروف إلى أن الجانب الروسي يطرح فكرة إطلاق حوار رباعي مع إسرائيل والدول العربية التي أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل، وكذلك السعودية بصفتها صاحبة مبادرة السلام العربية.

لا بد بالتوازي أن يكون هناك دور فاعل لجامعة الدول العربية، لدعم هذه الأفكار، وتفعيل دور عمل الرباعية الدولية، على الأسس الاستراتيجية المذكورة أعلاه. فالشعب الفلسطيني اليوم هو الشعب الوحيد في العالم، في مطلع القرن الواحد والعشرين، الذي يعيش ويعاني من حالة اعتقال جماعي، وتطهير عرقي، وقد حرم من كافة حقوقه الشرعية في الأمن والاستقرار وحرية التنقل والعبادة، بينما يعجز المجتمع الدولي عن مواجهة إسرائيل ومن ورائها الولايات المتحدة الأمريكية بفجاجة الوضع.

اليوم يسطر شعبنا الفلسطيني فصلاً جديداً من مقاومته الباسلة ستكتب في التاريخ بحروف من ذهب، وليس أقل من أن ندعمه سياسياً ودبلوماسياً، فنتوقف حينما يجب التوقف، بعدما ضحيّنا وقاومنا حينما تعيّن الصراع ووجبت المقاومة.

الكاتب والمحلل السياسي/ رامي الشاعر

  • قراءة 4650 مرات