كيف يتحول الشرطي إلى مدير مخابرات وكيف تتحول العائلة إلى مؤسسة أمنية دولة ما بعد 2003 تسقط شرعيا وأخلاقيا ومهنيا د راهب صالح الخليفاوي

منذ ان وطأت أقدام الاحتلال الامريكي ارض العراق عام 2003 وتحولت البلاد إلى مساحة نفوذ تتقاسمها واشنطن وطهران لم يعد هناك شيء اسمه دولة ولم تعد هناك مؤسسة تبنى على معيار وطني او مهني او قانوني بل نشأت منظومة قوامها الولاء الحزبي والارتباط الفصائلي وتوزيع المناصب كغنائم لا كمسؤوليات

وفي قلب هذه الفوضى ظهرت نماذج صادمة تكشف حجم الانهيار مثل قاسم الاعرجي وحميد الشطري وصولا إلى النموذج الأخطر وهو عائلة وتوت التي تحولت من وظائف بسيطة إلى شبكة امنية مترابطة تضم مدراء ومستشارين وقادة بلا مسار مهني وبلا خبرة حقيقية

رضا جواد حسن وتوت بدأ شرطي FPS ثم شرطي استخبارات بدرجة دنيا ثم قفز إلى مدير استخبارات بابل وبعدها اصبح مديرا عاما لحمايات امانة بغداد بلا تدرج وبلا تأهيل والادهى انه ليس حالة فردية بل حلقة في منظومة عائلية أمنية تتوسع بلا توقف

فاليوم نرى:

مهند جواد حسن وتوت يشغل منصب المستشار الأمني لوزارة الدفاع
ياسر اسكندر جواد حسن وتوت في مواقع امنية حساسة
اسكندر جواد حسن وتوت في مواقع ادارية وامنية تابعة للمنظومة

أي دولة في العالم تتحول المناصب الأمنية فيها إلى إرث عائلي كيف يمكن ان نصدق ان هذه دولة وكيف يمكن ان نعتبر هذه التعيينات مهنية او وطنية

ما يجري ليس صدفة بل هو نتاج نظام انهار منذ اللحظة الأولى لأنه تأسس على الباطل دستور كتبه المحتل قوانين صاغتها المحاصصة مؤسسات اخترقتها الفصائل قيادات جاءت بولاءاتها لا بخبرتها ثم تكرست ظاهرة توريث المناصب الأمنية داخل العوائل والمحسوبية والارتباطات الفصائلية

كيف يصبح شرطي حماية منشآت قائدا للاستخبارات وكيف تصبح عائلة كاملة جزءا من البنية الأمنية العليا بينما يُقصى آلاف الضباط والاختصاصيين الذين خدموا العراق لعقود وكيف نثق بجهاز امني يقوده اشخاص لم يمروا بأي دورة احترافية ولا يمتلكون أي مؤهل استخباري ويقعون تحت نفوذ جهات سياسية وميليشياوية

عندما نذكر قاسم الاعرجي القادم من صفوف بدر والذي تحول إلى وزير داخلية ومستشار امن قومي او حميد الشطري الذي انتقل من خلفيات حزبية إلى قيادة جهاز مخابرات العراق ندرك ان صناعة القيادات الأمنية في العراق ليست عملية مهنية بل عملية سياسية مؤدلجة مبنية على الولاء الخارجي والداخلي

وحين تتكرر هذه النماذج مع عائلة وتوت فإن الحقيقة تصبح أوضح العراق لا يدار بواسطة مؤسسات بل بواسطة شبكات النفوذ التي تتوسع بالقرابة والمحسوبية والفصائل وما يحدث ليس فسادا فرديا بل انهيار شامل لمسار الدولة بالكامل

النظام الذي جاء به الاحتلال لا يمكن ان ينتج دولة بل ينتج سلطة مزيفة واجهزة مخترقة وقيادات تابعة لا تملك رؤية ولا خبرة ولا عمق وطني ولهذا لا غرابة ان تكون الأجهزة الأمنية بدون قدرة حقيقية على ضبط الأمن ولا غرابة ان تكون البلاد مكشوفة لكل اختراق خارجي وداخلي

ما يجري اليوم ليس قصة شخص ولا عائلة ولا منصب بل هو عنوان لسقوط منظومة كاملة لا شرعية لها ولا سيادة ولا مؤسسات حقيقية دولة جاءت على ظهر الدبابة لا يمكن ان تنتج الا هياكل خاوية ومناصب تباع وتشترى وولاءات تبنى لا مهنية تبنى

ولهذا نقول بكل وضوح العراق لن ينهض بتعديل المناصب ولا تبديل الاشخاص العراق لا ينهض الا بإسقاط النظام الذي صنع هذه النماذج ودمر مؤسسات الدولة وحول الأمن إلى وظيفة حزبية ونقل المناصب إلى عوائل وارتباطات

اليوم نواجه معادلة أخطر من أي وقت مضى مدير مخابرات بلا خبرة مستشار امني من نفس العائلة مدير عام من نفس الحلقة مواقع حساسة تتحول إلى إرث عائلي دولة بلا سيادة شعب بلا أمن وبلد مخترق من كل الجهات

وهذه اقوى شهادة على ان العراق لن يستعيد كرامته ولا سيادته ولا امنه طالما بقي هذا النظام قائما وطالما بقيت المناصب الأمنية جوائز سياسية لا مسؤوليات وطنية

بقلم

د راهب صالح الخليفاوي
حقوقي باحث في الشأن العراقي والشأن الايراني